العمل التطوعي ظاهرة اجتماعية وحضارية مهمة، تهدف إلى الترابط الاجتماعي، والتكافل بين أفراد المجتمع؛ حيث تحرص المجتمعات المتقدمة على الاهتمام به ودعمه وتطويره، وتحث أفراده (ذكوراً - وإناثاً) على الالتحاق بالعمل التطوعي في جميع المناسبات السياسية والاجتماعية والرياضية، أو عند حدوث بعض الكوارث العنيفة من فيضانات أو أعاصير أو زلازل أو حرائق كبيرة.وتفعيل العمل التطوعي داخل المجتمعات يُعدُّ مظهراً من مظاهر تقدُّم الدول ورقيها، وارتفاع درجة الوعي لدى أفرادها، من خلال اهتمامهم بهذا العمل النبيل.
والعمل التطوعي ليس وليد هذا العصر الحديث؛ إنما حث عليه ديننا الإسلامي، ودلَّت النصوص الشرعية على مشروعيته بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (سورة المائدة 2)، وفي قول الله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة 158).
وقد وجهنا الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف إلى العمل التطوعي حيث يقول: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار».
والعمل التطوعي موجود منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده، وخاصة التطوُّع الاجتماعي؛ حيث كان الناس يساعدون الأرامل، والمساكين، والأيتام، ويقدمون لهم كل ما يحتاجون إليه من طعام أو شراب أو رعاية، كذلك النساء كن يتطوعن في مرافقة الجيوش الإسلامية، يطبخن، ويضمدن الجرحى، ويسعفن الرجال.
وتعددت التعريفات التي توضح ماهية العمل التطوعي، وجاءت في مجملها بمعنى: تطوع الفرد سواء كان ذكراً أو أنثى في الأعمال التي يجيدها بدون توقُّع أجر مادي مقابل الجهد الذي يبذله، وإنما يكون هذا العمل إسهاماً منه في تقديم الخدمة والرعاية الاجتماعية لوطنه.
ومن أهداف العمل التطوعي:
- فتح المجال أمام أفراد المجتمع لخدمة دينهم ووطنهم.
- زرع التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
- إعطاء الأفراد الفرصة في إبراز مواهبهم ومهاراتهم للمحافظة عليها وتنميتها.
- تعزيز الانتماء والولاء لدى الأفراد لوطنهم أثناء مشاركتهم في الأعمال التطوعية.
- القضاء على الفراغ الذي يعانيه بعض أفراد المجتمع، إما بسبب عدم حصولهم على وظيفة، أو أن يكونوا متقاعدين عن العمل.
وثقافة التطوُّع في المملكة موجودة - ولله الحمد - إلا أنها ما زالت بعيده عن العمل المؤسسي المنظم بسبب أنها تفتقر إلى وجود هيئات رسمية ترعى هذه الأنشطة وتدعمها لتأهيل المتطوعين تأهيلاً مناسباً، وسَنّ الأنظمة الداعمة لهذه الثقافة. علما بأن المملكة لديها الكثير من المناسبات الموسمية المهمة التي تحتاج إلى جهود متضافرة مع المتطوعين، ومن هذه المناسبات موسم الحج الذي يحتاج إلى الكثير من العاملين في مجال التطوُّع، وهناك أنموذج رائع في مجال الأعمال التطوعية في موسم الحج، وهم جهاز الكشافة الذين يشاركون في كل موسم حج؛ حيث يؤدي أفراد الكشافة أدواراً كثيرة ومهمة، منها: إرشاد الحجيج وتقديم الخدمات التي يريدونها ويحتاجون إليها، وكذلك مساعدة الحجيج وإسعافهم.
كما أن المؤتمرات والندوات الدولية الكبرى التي تُعقد في المملكة بحاجة إلى خدمات هؤلاء المتطوعين للعمل ضمن اللجان المنظمة لتلك المؤتمرات، وسوف يكون هؤلاء داعمين لتلك الجهات المنظمة.
أما المشاركات الثقافية والرياضية الكبرى التي تنظمها المملكة فتحتاج أيضاً إلى جهد هؤلاء المتطوعين، خاصة عندما يشارك أبناؤنا ذوو الاحتياجات الخاصة في أية مناسبة؛ فهذه الفئة تحتاج إلى العديد من المتطوعين من الجنسين لمساعدتهم، ورفع معنوياتهم، والاهتمام بهم، كما يحصل في الدول الأخرى المتقدمة؛ فتجد الأطباء، وأعضاء هيئة التدريس من الجامعات، ومديري العموم يتطوعون لخدمة بلادهم في أية مناسبة سواء كانت رياضية، أو ثقافية أو اجتماعية، حتى أنهم يؤدون أدواراً بسيطة مثل مشاركتهم في استقبال الوفود، ومرافقتهم لتعريفهم بمعالم وطنهم، أو يكونون سائقين لهؤلاء الوفود أو مترجمين، وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى عمل هؤلاء المتطوعين؛ فأدوارهم تعكس تطور وطنهم وثقافته؛ حيث إن هؤلاء المتطوعين لهم شخصية إدارية وثقافية تحرص على رسم صورة إيجابية لوطنهم.
ومن المؤسسات الحكومية التي هي بحاجة أيضاً إلى وجود مثل هؤلاء المتطوعين (الإدارة العامة للدفاع المدني)، خاصة عند حدوث أية كارثة كبرى لا سمح الله، مثل هطول الأمطار بغزارة وتأثيرها على المواطنين تأثيراً قوياً، أو حدوث الزلازل والفيضانات أو الحرائق وغيرها من الكوارث التي قد تحدث فجأة ودون مقدمات؛ فسوف يكون لهؤلاء المتطوعين مشاركة فاعلة عندما يتم دعوتهم للقيام بالأعمال التطوعية ودعم رجال الدفاع المدني في تأدية خدمتهم أثناء مجابهة تلك الكوارث.
ولدينا شواهد حية لهذه الأعمال التطوعية التي قام بها الكثير من المتطوعين والمتطوعات من أهالي جدة مشكورين أثناء كارثة السيول التي حدثت بجدة في الفترة الماضية؛ حيث هبَّ العديد من المتطوعين والمتطوعات لمساعدة الناس المصابين وإسعافهم، والبحث عن بعض الغرقى، وغيرها من الأعمال التطوعية الأخرى. وتعدُّ هذه المشاركة مشاركة جميلة من هؤلاء المتطوعين والمتطوعات حتى وإن كانت مشاركة ذاتية، وكان بالإمكان أن تظهر جهودهم بشكل أكبر وأكثر فعالية لو كان هناك تنسيق بينهم وبين الجهات ذات العلاقة بهذه الكارثة.
وخلاصة القول أننا في مجتمعنا نحتاج إلى تفعيل دور ثقافة التطوُّع لدى أفراد المجتمع، وتعريفهم بفضائل العمل التطوعي، وحثهم على المشاركة في البرامج التطوعية، وهذا لن يحصل إلا بتحديد جهة فاعلة تكون مسؤولة مسؤولية مباشرة عن المتطوعين، وتحفزهم للمشاركة في أغلب البرامج التطوعية، وتدرِّب مَنْ يحتاج إلى تدريب، وتتواصل دائماً معهم، وتقدِّم الشكر والتقدير لهم بعد انتهائهم من أعمالهم، مع إثبات وجودهم في أغلب المناسبات.
وأخيراً نأمل أن يتم تفعيل ثقافة العمل التطوعي داخل مجتمعنا وبين جميع فئاته من خلال الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، وتعريف شباب هذا الوطن بأهمية هذا العمل، وغرس القيم الإيجابية فيهم من خلال برامج العمل التطوعي؛ حيث إن ذلك سوف يساهم في بناء الشخصية وتعزيز روح التعاون مع أفراد المجتمع؛ ما يجعلنا نستبشر بمستقبل مشرق لأبنائنا.
ثقافة العمل التطوعي
د. محمد بن عبدالله الشويعر
نقلا عن جريدة الجزيرة :
http://www.al-jazirah.com/415035/rj1d.htm